الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
129
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المعاندين بالحق يوم بدر . والمعنى : قل ذلك بمسمع منهم إظهارا لتحديه إياهم بأنه فوّض أمره إلى ربه ليحكم فيهم بالحق الذي هو خضد شوكتهم وإبطال دينهم ، لأن اللّه يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق . الباء في قوله تعالى بِالْحَقِّ للملابسة . وحذف المتعلّق الثاني لفعل احْكُمْ لتنبيههم إلى أن النبي على الحق فإنه ما سأل الحكم بالحق إلا لأنه يريده ، أي احكم لنا أو فيهم أو بيننا . وقرأ الجمهور قل بصيغة الأمر . وقرأ حفص قالَ بصيغة الماضي مثل قوله تعالى : قل ربي يعلم القول [ الأنبياء : 4 ] في أول هذه السورة . ولم يكتب في المصحف الكوفي بإثبات الألف . على أنه حكاية عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم . و رَبِّ منادى مضاف حذفت منه ياء المتكلم المضاف هو إليها وبقيت الكسرة دليلا على الياء . وقرأ الجمهور - بكسر الباء - من رَبِّ . وقرأه أبو جعفر - بضم الباء - وهو وجه عربيّ في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم كأنهم جعلوه بمنزلة الترخيم وهو جائز إذا أمن اللبس . وتعريف المسند إليه بالإضافة في قوله تعالى وَرَبُّنَا لتضمنها تعظيما لشأن المسلمين بالاعتزاز بأن اللّه ربّهم . وضمير المتكلم المشارك للنبي ومن معه من المسلمين . وفيه تعريض بالمشركين بأنهم ليسوا من مربوبية اللّه في شيء حسب إعراضهم عن عبادته إلى عبادة الأصنام كقوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [ محمد : 11 ] . والرحمن عطف بيان من رَبُّنَا لأن المراد به هنا الاسم لا الوصف تورّكا على المشركين ، لأنهم أنكروا اسم الرحمن وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً [ الفرقان : 60 ] . وتعريف الْمُسْتَعانُ لإفادة القصر ، أي لا أستعين بغيره على ما تصفون ، إذ لا ينصرنا غير ربنا وهو ناظر إلى قوله تعالى : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] .